دنياك سكك

نحن دراميون جداً..

هذا الجيل ، وربما أجيال قادمة من بعده ، من أكثر ما عرف هذا البلد تأثراً بالدراما ، إلى درجة استقى ويستقي منها كثيراً من تصوراته حول الحياة بشكل عام ، وساعد على ذلك كثرة المتشابه جداً من المعروض من الدراما سينما أو فيديو .. وعليه أصبح لدينا ترتيب معين لخط سير حياتنا من الميلاد إلى الممات ..

بمعنى أصح ، ترسخ لدينا هذا الترتيب : دراسة ، فحب ، فعمل ، فزواج ، فإنجاب ، فأبوة ، فمعاش ، فممات .. الحب علينا حق .. الزواج علينا حق .. الإنجاب علينا حق .. كلام فارغ..

هناك من عاشوا وماتوا دون الدخول في قصص حب ملتهبة ، وهناك من عاشوا وماتوا بدون زواج ، وهناك من عاش وتزوج ومات دون أن يرزقه الله بالذرية ، وهناك من عاش ومات ورزقه الله بالذرية غير الصالحة ، وهناك من عاش ومات قبل سن المعاش .. وهكذا..

يتولد جزء من الإحباط الذي نعيشه من الخوف من ألا تسير حياتنا وفق الترتيب الذي حفظناه عن ظهر قلب ، في حين أن في الحياة آلاف الدروب والمسالك ، وآلاف السيناريوهات ، لن تسير إلا في الطريق الذي قدره الله لك ، ولكل منا سيناريو لا يعرف أحداثه إلا الذي خطط له من فوق سبع سماوات.. فقط نحن مطالبون بأن نمشي فيه على خط مستقيم .. ومع الاعتذار لـ "سيد حجاب" : "دنياك سكك حافظ على مسلكك.. وامسك في نفسك لا العلل تمسكك.. وتقع في خية تملكك تهلكك"..

إذا ما اعتبرنا أن مخالفة سير الحياة للسيناريو المعتاد ليس بنهاية العالم ، يمكننا أن نتذوق جوانب جميلة في الحياة نراها رأي العين كل يوم ، ومهما كانت الظروف.. يمكننا أن نتمحك "صح"..

حتى الخوف

"اللهم اجعله خير"..

عبارة نرددها عندما نستغرق في الضحك ، أو نستغرق في الفرحة.. قيل الكثير في تفسير استخدامنا لها ، ومنه الخوف من أن تصبح الفرحة التي نعيشها في مهب الريح .. أو أن تتطور إلى شيء نخافه ونحذره ، أو أن يكون ما نعيشه حلماً بعيداً عن الحقيقة.. كما نقولها عندما نحلم بكابوس مظلم نقولها كذلك عندما تتحول أجمل أحلامنا إلى حقيقة..والخوف هو القاسم المشترك بين الحالتين..

تذكرت هنا ما كتبه "أشرف عبد المنعم" منتقداً أغنية "بخاف" لـ"حمادة هلال".. حيث تحدث عن "الخوف السلبي" الذي يصيب صاحبه بالشلل ، ويفقده القدرة على التفكير والحركة ..والمشكلة أنه منتشر لدينا بشكل كبير ، والمشكلة الأكبر أنه يحولنا إلى كائنات مذعورة من فقدان كل ما نكسبه -حتى مع كون ذلك وارداً من الناحية النظرية..

كم سيكون جميلاً لو أننا أدركنا أننا نعيش على صفيح ساخن فنصبح أكثر إيجابية في حماية أنفسنا واجتهاداتنا ومن نحب.. كم سيكون جميلاً لو جَعَلنا خوفنا من ضياع اللحظات الجميلة التي نعيشها أكثر تمسكاً بأن نعيشها ثانية بثانية .. أقله كي تبقى ذكرياتنا حاضرة عندما تقلب الدنيا على "الوش التاني"..

الحلم

يقول "محمد علي كلاي" فيما معناه : لا يستطيع أن ينتصر من لا خيال له.. مقولة أكثر من صحيحة .. السبب كما أراه أن الفشل سور عال تحتاج أحياناً لأن تطير كي تتخطاه ، للخيال والأحلام أجنحة تساعدانك على تحقيق ذلك..

الحلم نعمة كبيرة من نعم الخالق سبحانه وتعالى ، حتى لمن لا يستطيع تحقيقه..وللعلم .. قليل من البشر هم فقط من يستطيعون تحويل أفكارهم وأحلامهم وهواجسهم إلى حقيقة .. وقليل من هذا القليل من تغير أحلامه وقدرته على تجسيدها مجرى التاريخ.. المبدعون والموهوبون وأصحاب الأفكار والعزيمة والقادة يشكلون نسبة شديدة الضآلة حتى في أكثر مجتمعات الأرض تقدماً .. وأكثر هؤلاء تأثيراً من ينقلون تلك الأحلام إلى الناس فيشاركونهم الأحلام والقتال من أجل تحقيقها على الأرض..

عن نفسي أحلم بأشياء وبمشاريع وبأفكار أعلم تماماً أنني لن أستطيع تحقيقها ، بل إن تواضع قدراتي يشكل أكبر خطر عليها .. قد يكون الحلم بالنسبة لي هرباً من الواقع ، لكنني أحلم وقدماي مغروزتان في الأرض .. في قلب الأمر الواقع .. ربما يعطيني الحلم رغم استحالة تحقيقه أملاً ولو مخادعاً بإمكانية أن يتغير الواقع للأفضل ، بيدي أو بيد غيري قد لا يهم..

كيف هو الحلم بالنسبة لك؟ الكرة في ملعبك.. لكن كلانا يحتاجه على أي حال..

زيارة صحيحة في التوقيت الخطأ

ما لا يدرك كله لا يترك كله ، تمنيت زيارة "رأس البر" في الشتاء فلم يتحقق ذلك إلا اليوم ، صحيح أن الشتاء لم ينتهِ جغرافياً ، لكننا في مصر اصطلحنا على أن ينتهي الشتاء بنهاية فبراير ،ويبدأ الصيف بشم النسيم..، انتهزت فرصة الأجازة الرسمية وقمت برحلة منفردة خاطفة إلى هناك ، ولم أنجُ من مظاهر الشتاء برغم ذلك .. فالجو هذه الأيام يعطي جميع فصول السنة في يوم واحد!

صدمت لكون معظم المحال مغلقة ، صدمة اختفت بمعرفة السبب الذي يتلخص ببساطة في أن الموسم الصيفي لم يبدأ بعد .. لكني شعرت أن أصحاب المحال المفتوحة القليلين صدموا بزائر لم يتوقعوا توقيته ، ولهم حق ، فبرغم أن اليوم إجازة رسمية إلا أن عدد زوار المصيف بارع الجمال قليل ، ربما بفعل التوقيت ، أو بفعل الجو الذي "قَلَب" فيمَ بعد..

كان الجو-في بداية اليوم على الأقل- مذهلاً ، هواء عليل وأمواج هائجة وسماء غائمة ، وهدوووووء مطبق "بافتِرا" لم يقطعه سوى قليل من المغامرين الذين زادوا مع انتصاف النهار ، أفراد وعائلات ، استوقفتني منهم عائلة واحدة فقط كانت على بعد خطوتين من الكشك الخشبي الذي جلست تحته قبل مغادرة "رأس البر" بقليل..

عائلة جلست على قاعدة صخرية قليلة الارتفاع ، لم يمنع البرد أفرادها من الجلوس مباشرةً تحت السماء دون الاحتماء من الرياح -والمطر فيمَ بعد- بأي كشك خشبي من تلك المتراصة على امتداد الممشى ، بل لم يمنع الجد ، والأب ، والابن من تناقل الكرة فيما بينهم على تلك القاعدة الصخرية.. كما لو كنا في ذورة شهور التصييف..

هم يستمتعون بما يفعلون ، وهذه هي طريقتهم في الاستمتاع بالحياة بشكل عام فيمَ يبدو ، دون التقيد بوقت أو بحالة جو .. ربما كانوا من أهل المدينة أو من جوارها بما أن السواحليين "القراريين" هم دون غيرهم من يذهب إلى الشاطئ في أي توقيت حتى ولو في "عز البرد"..كان المنظر مبهجاً ، أعادني سنوات طويلة إلى الوراء وأعاد للذاكرة فاصلاً من اللحظات الجميلة .. لكن ما أسعدني أكثر أنهم - فيمَ بدا لي- أكثر تحرراً من أي انتقاد محتمل يمكن أن يوجه لمن يفعل فعلتهم ،و فعلتي أيضاً..

كل عام أنتم بخير ..

بجد.. محتاجين نلعب شوية

عن نفسي .. أرى أن الإنسان يحتاج إلى اللعب طوال حياته ، ليس فقط في مرحلة الطفولة.. بعبارة أخرى .. كلنا نحتاج للعبة ، أو ما يقوم في مقامها في كل مرحلة سنية نمر بها..

اللعب يخرج منك طاقات كامنة يصعب أن يخرجها العمل وحده ، يعيد إليك جزءاً كبيراً من اتزانك النفسي وثقتك في إمكانياتك ، ومن الممكن أن يجعلك تعيد اكتشاف نقاط إيجابية كبيرة في نفسك والوقوف على سلبيات شخصيتك .. يجعلك قادراً على تغيير المناظر والأجواء والخروج من حياة روتينية تقوم على خطوات شبيهة ببرنامج الكمبيوتر.. وربما كان مهرباً تحتاجه من أمور لا قبل لك بمواجهتها..

لا يشترط أن يكون اللعب رياضياً أو ذا صلة بالرياضة ، من الممكن أن يكون هواية حتى ولو كانت جمع الطوابع..

نحن في مجتمعاتنا نتعامل بكل تعالٍ على تلك الفكرة ، بدايةً من المدلول السلبي جداً لـ"اللعب" في ثقافتنا .. والنظرة الاستسخافية لكل من يمارس الرياضة "على كَبَر" رغم فائدتها للصحة العامة ، حتى الهوايات غير الرياضية صار ينظر لها على سبيل التعميم على أنها مضيعة للوقت .. وصارت تنطبق على من يمارسها كل الأوصاف الشنيعة التي يوصف بها من يمارس هواية رياضية..نحن نرفض النظر للعب على أنه من الممكن أن يكون نشاطاً خلاقاً ، نحرم منه أبناءنا حتى وإن أفادهم فيمَ بعد ، ونرفضه على أنفسنا رغم حاجتنا إليه.. رغم أنه من الوسائل التي تجعلك تعيش لحظات حياتك بطريقة مختلفة أكثر جاذبية وأقل قتامة ومللاً..

لنفكر قليلاً في اللعب .. ربما يساعدنا على إضافة ألوان بهيجة لحياة نعيشها بالأبيض والأسود..

الهروب إلى الأمس

كان بعضنا يرى أنه من المستنكر أن تسمع الأغنية القديمة ، رغم إلحاح الصحفيين والإذاعيين والتليفزيونيين والبوتاجازيين الذين عاشوا زمنها عليها..اليوم لا نسمع ، أو أقله لا أسمع، للأغاني القديمة جداً سمعاً وطاعة للإلحاح.. ولكنه الهروب فقط من المألوف.. والرغبة في إعادة الاكتشاف..

زميلنا محمد عبد الغفار وضع على مدونته أغنية "يا مسافر وحدك" التي أثارت فضولي وبحثت عنها على النت بـ"منكاش".. الأغنية أكثر من رائعة وأكثر من مختلفة..

أعترف أنني أسمع "عبد الوهاب" بطريقة تختلف عن الطريقة التي كنت أسمعه بها طيلة حياتي، والشيء نفسه ينطبق على "فريد الأطرش" الذي أعاد كتابة تاريخ السينما الغنائية المصرية مع "محمد فوزي".. وبالطبع "أم كلثوم" و "فيروز".. في كل منها جو جديد على العبد لله ، لم يعشه ،ولم يولد فيه ..

الجديد يغير إحساسك تجاه الحياة .. حتى ولو كان منذ ردح من الزمن..

الأمل

رغم شدة الكرب أحيانا
لا زلت قادرا علي رؤية الضوء في نهاية النفق
ولازلت قادرا علي تذكر اللحظات القليلة التي اسعدتني وارضتني
ولازلت أملك الذي لو ملكه أحد لم يمت أبدا

الأمل